وتنادى المنافقون "لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.."
وتنادى المنافقون "لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.."
قديما وتحديدا في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وتحديدا أدق، في أيام غزوة بني المصطلق، قال رأس النفاق وزعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لأصحابه بعدما فكر وقدر، ووضع خطته الاستراتيجية لمحاربة الإسلام: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا".
لكن من سوء حظ ابن سلول ولأن الله جل شأنه تعهد بفضح المنافقين في الدنيا وتعذيبهم وتأديبهم في نار الآخرة، أن سيدنا زيد بن أرقم سمعه وطار بهذا الكلام إلى عمه الذي قام بدوره بإبلاغ رسول الله صلى الله عليه بما قال رأس النفاق والمنافقين، لكنه هذا المنافق المجرم لما استحلفه رسول الله حلف أنه ما قال مثل هذا الكلام، ولا يليق أن يقول مثل هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هو كان في أول السورة يقسم وبقية المنافقين أنهم يشهدون إن محمدا رسول الله، بل ويُشهدون الله والدنيا كلها على إيمانهم.
كانت الخطة مدروسة لكن الله أفشلها، وأنزل سورة المنافقون، تشهد بصدق زيد ابن الأرقم، وتكشف أن ابن سلول منافق فاجر عديم الأخلاق والمروءة، ومن قبلِهما الدين، إذ كانت خطته تتمثل في أن يقطعوا الدعم والمال والطعام والشراب عن رسول الله، أو عن من هم حول رسول الله من المؤمنين الصادقين الذي تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا لله ورسوله حتى ينفضوا من حوله.
واليوم أحاول أن أتمثل دور سيدنا زيد، وأهمس لك بأن كبار المنافقين الذين يدعون الإيمان بالله ورسوله، والحفاظ على الأوطان وحماية الشعوب، وعدم التفريط في قضية فلسطين والأقصى، ومحاربة تهجير أهل غزة كي لا تموت القضية، هم ثلة من أحفاد ابن سلول، رفضوا التهجير قولا لكنهم دعموا الإبادة قلبا وقولا وعملا، فغلّقوا الحدود على عباد الله والمجاهدين في أرض الله المباركة، وبنوا أسوارا من وراء الأسوار حتى أحكموا حبس مليوني إنسان من عباد الله الكرام على الله في الأرض الكريمة على الله، ثم منعوا عنهم المساعدات، أنا لا أقول منعوا عنهم الأسلحة التي يحاربون بها عدوهم، بل وصلت بهم قسوة قلوبهم، وتمام نفاقهم وسواد قلوبهم، إلى أن منعوا الطعام والشراب عن أهل غزة، ومنعوا حتى شربة الماء، ولو استطاعوا وعزة الله أن يمنعوا عنهم الهواء لفعلوا.
إن هؤلاء قد أحيوا منهج أسلافهم من منافقي عهد النبوة، ونادوا في آذان بعضهم: لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.
إن خطة منافقي العرب التي تنادى بها أبواق إعلامهم تتمثل في صد الناس عن الإنفاق ودعم أهل غزة الكرام على الله، ووالكرام على الصادقين من أبناء هذه الأمة، بزعم أن حماس تأخذ الأموال لقادتها، قادتها الذين لم يتبق منهم أحد واستشهدوا واحدا وراء الآخر.
الحقيقة أن قول منافقي اليوم هو هو قول منافقي عهد النبوة، وأهدافهم أهدافهم، وغايتهم غايتهم.
ففي أيام رسول الله كان المنافقون يلومون الأنصار لأنهم هم الذين أمدوا المهاجرين بالمال، إذ رأى ابن سلول بفساد قلبه أنه يسمن من يأكل ملكه، وينزع مجد الأنصار من بلادهم، فطالبهم بوقف دعم رسول الله، حتى ينفض الناس عنه، ويقف رسول الله في الميدان وحيدا لا أنصار لهم، فيسهل على العدو بسهم طائش أن يخلّص منه الدنيا، ويمهد الأرض للكفر من جديد.
واليوم يرى منافقوا العرب وأبواق إعلامهم أن دعم المقاومة في غزة ضد الاحتلال يصب في إضعاف قوة بلاد العرب، ويجلب عليهم المصائب، ويمكن للمقاومة من احتلال البلاد والعباد، فلا بد إذن من تجويع أهل غزة حتى ينفضوا عن المقاومة، فتجد نفسها وحيدة في الميدان، ليسهل على العدو بدعم منافقي العرب استئصالهم بنيران الدبابات والصواريخ.
حتى إن تقارير عالمية قد كشفت أن مخابرات بعض بلادنا قد قدمت للمحتل خطة التهدئة وإدخال المساعدات حتى إذا تحرك قادة المقاومة لإعادة ترتيب صفوفهم، وظهروا بين الناس مطمئنين، سهُل على المحتل استهدافهم وقتلهم، وهو بالفعل ما تم بعد الهدنة التي استمرت أسابيع لإدخال المساعدات وتبادل الأسرى، ثم ما لبثت أن قامت الحرب من جديد فجأة وبقوة، فاستهدفت العديد من القادة الذين ارتقوا إلى الله شهداء في سبيل عزة دينه وتحرير مقدساته، شهداء على بعض أجهزة بلادنا السيادية بخيانة الله ورسوله والإسلام والعروبة.
أيام رسول الله كان المنافقون يدعمون كل عدو قريب أو بعيد ضد النبي وأصحابه ليستأصلوا شأفة الدين الجديد الذي لم يجدوا فيه بغيتهم ولا مصلحتهم الشخصية، فكانت خطتهم منع الإنفاق على من عند رسول الله إذعانا لأعداء رسول الله، وقربة لهم، وتحريضا على استئصال شأفته.
واليوم يدعم منافقوا العرب الاحتلال الصهيوني الغاشم، ويمدونه من خلال طرق برية أنشأت أول أيام الحرب -بعدما أوقفت اليمن إمدادات البحر الأحمر المتجهة إلى الكيان المحتل- بالطعام والشراب وضرورات الحياة، بل وبالأسلحة التي رصدتها وكالات الإعلام لأجل دك أهل غزة وتسوية بيوتها بأرضها، ودفن المقاومة في أنفاقها، قربة للمحتل الذي رباهم في حظائره، وأطعمهم من ماله الحرام، وألبسهم من ثياب الخسة وانعدام المروءة ما ينزع عنهم لباس الإسلام والإيمان، وأعدهم لهذه الساعات الحرة من تاريخ الأمة إعدادا حقيقيا، ومكنّهم في حين غفلة منا من عروش الحكم، وشاشات الإعلام، ومنابر المساجد، وإدارة المحاكم والمجالس، وأنفق عليهم بلا حساب.
أيام رسول الله كان المنافقون يخشون على العدو من أي تحرك من قبل النبي، فما يلبث أحدهم أن يعرف معلومة عن جيش النبي حتى يطير بها إلى أعداء الله ورسوله يبلغهم بما علم عن تحركات رسول الله، غاية واحدة، وهي حماية العدو من بأس النبي وأصحابه.
ومنافقوا اليوم وقفوا بالمرصاد لصواريخ بعض الدول التي اتجهت ناحية المحتل، وأسقوطها بأسلحة اشتروها من أموال المسلمين لكي لا تصيب جندا صهيونيا في جيش المحتل لأرض الله الطاهرة المباركة، ولمسجد القبلة الأولى للمسلمين، ونكلوا ببعض الشباب الذين علموا أنهم يحاولون دعم المقاومة وأهل غزة من بلادهم، من خلال إرسال الأموال أو الأسلحة الخفيفة، أو من خلال تصنيع ما يعين هؤلاء الأطهار في معركتهم التي هي معركة الأمة المتخاذلة تحت وطأة الأنظمة المتواطئة على الخيانة.
لقد منعوا الطعام والشراب عن أهل غزة، ثم أنفقوا المليارات على مهرجانات الحرام في أرض الإسلام وبين أوساط المسلمين، واستقبلوا فيها على بساط الفخر والابتهاج بالحرام شذاذ الغرب من العاهرين والعاهرات ليقدموا لأبناء المسلمين والأجيال الحالية والقادمة على تراب اختلط بدماء أصحاب رسول الله عروضا غنائية ومسرحية وترفيهية تنتزع من قلوبهم الإسلام، وتسحب من تحتهم بساط الإيمان، حتى مسخوا المسلمين وجعلوا منهم أشباه بشر، يحملون في رؤوسهم أشباه عقول، ويعاملون الله بأشباه قلوب.
لقد تجوّل الرئيس الأمريكي الداعم الأكبر للحرب واستئصال رجال الله من أرضهم في بلاد الخليج فجمع الجزية منهم بآلاف المليارات من الدولارات، وعاد بالأسير الأمريكي لدى المقاومة بعدما تدخلت بعض الدول وضمنت للمقاومة التهدئة، ثم صب الاحتلال على أهل غزة حمم اللهب والجحيم طوال أيام الزيارة ولم يطالبه واحد بوقف الحرب أو الوفاء بما وعد.
إنه التاريخ، وأحداث أمة الإسلام ياسادة تعيد نفسها، لتقول لنا إن النفاق لم يستأصل من الأرض، بل إنه نبت في أول يوم لرسول الله في المدينة المنورة مركز الدولة والدعوة، وكبر وترعرع وهدّ حصون المسلمين اليوم، وكان أخطر على أمتنا من نيران عدوها.
إنه النفاق الذي لم تتغير غايته وإن تغيرت أشكاله ووسائله وأسماء حملته، إلا أن غايته الباقية إلى قيام الساعة هي محاربة الإسلام ودحر المسلمين، ونشر الفساد والفسق والمجون في أوساط شباب أمتنا، كي تبقى الأمة عجوزا مستضعفة لا تقوم لها قائمة، ولأنهم علموا أنها لن تموت فقد تواطئوا جميعهم على أن تبقى الأمة مريضة بمرض يقعدها عن أي مهمة سماوية تحفظ كرامتها وتستعيد مجدها، لكن الله متم نوره ولو كره المنافقون.


تعليقات
إرسال تعليق