سورة المنافقون تتحدث عن نفسها (الحلقة ٢) أسباب نزولي العامة والخاصة






 أسباب نزولي العامة والخاصة 

إن كنت تسأل لماذا أنزلني الله تعالى فدعني أبين لك أولا سبب نزولي العام، وفي حوارنا سأبين لك أسباب نزول الخاص، ثم أسباب نزول بعض آيات، وذلك حسب روايات متعددة سأرويها لك، لكن دعنا نبدأ أولا بأسباب نزولي العامة.

سبب نزولي العام أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكثر عدد المسلمين فيها، وأعز الله العظيم بها الإسلام، صار أناس من أهلها -من الأوس والخزرج- لشيء في صدورهم يُظهرون الإسلام والإيمان للنبي ومن حوله، لكنهم كانوا يبطنون الكفر والعداوة للمؤمنين، ربما لكي يبقى جاههم ومكانتهم، أو لحقن دمائهم إن عُرف مكرهم وانكشفت حقيقتهم، أو لتَسلم أموالهم، أو لكل ما سبق، المهم أن ناسا أصبحوا منافقين في مدينة رسول الله، فأنزلني الله تعالى لكي يبين أوصافهم، ويكشف أعمالهم، ويفضح دواخلهم، حتى يَحذرهم رسول الله، ويكون الصحابة منهم على بصيرة.

أما عن سبب نزولي الخاص والذي اختص الله به نزولي من فوق سبع سموات على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حكاه زيد بن أرقم كما رواه البخاري، فقال: كنت مع عمي فسمعت زعيم المنافقين في المدينة عبد الله بن أبي بن سلول يقول: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا". وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت كلامه ذلك لعمي، فذكر عمي هذا الكلام لرسول الله ﷺ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا هذا الكلام، وقد صدقهم رسول الله ﷺ وكذّبني. فأصابني الهم الذي لم يصبني مثله أبدا، ومن حزني جلست في بيتي، وكانت المفاجأة بأن أنزل الله عز وجل: إذا جاءك المنافقون (يقصد نزولي أنا) -إلى قوله- هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله- إلى قوله- ليخرجن الأعز منها الأذل" فأرسل إليَ رسول الله ﷺ، ثم قال يازيد: (إن الله قد صدّقك).


ولهذه القصة رواية أخرى مشهورة، يقول فيها زيد بن أرقم: كنا في غزاة، فكسع رجل -الكسع: ضَرْبُ الدبر باليد، أو الرِّجل- من المهاجرين رجلاً من جهينة حليفاً للأنصار، فقال الجهني: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين: فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما بال دعوى الجاهلية) قالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) أي: اتركوا دعوة الجاهلية: يا آل كذا، فسمع هذا الخبر عبد الله بن أُبَيٍّ، فقال: أقد فعلوها؟! أما والله {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} وقال: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} من حوله، قال زيد بن أرقم: فسمعت ذلك، فأخبرت به عمي، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله، وفي رواية: إلى أن كذبك، فلما أصبحنا قرأ رسول الله سورة المنافقين، وقال لي: (إن الله قد صدقك).

رواية أخرى لهذه القصة لها لكنها أكثر تشويقا جاءت في الترمذي، فدعني أقصها عليك

قال زيد بن أرقم: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا إليه، فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله -يقصد الأعراب الذين كانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام- وأكمل عبد الله قائلا: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد، قال زيد: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، قال: فجاء عمي إلي فقال ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمسلمون، قال زيد: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال أبو بكر: أبشر. ثم لحقني عمر بن الخطاب فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وتنادى المنافقون "لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.."

سورة المنافقون تتحدث عن نفسها.. الحلقة (١)

آخر معجزات الصدقات في شفاء ابن صديقي