سورة المنافقون تتحدث عن نفسها.. الحلقة (١)

 



أنا سورة مدنية، قال عني ابن عباس وابن الزبير أنني نزلت في المدينة المنورة.

نزلت بعد غزوة بني المصطلق (المريسيع) والتي كانت فيها حادثة الإفْك وتشنيع المنافقين بأم المؤمنين السيدة عائشة، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة بحسب اختلاف الأقوال

عدد آياتي (آية١١) إحدى عشرة آية بلا خلاف. وعدد كلماتي (١٨٠ كلمة) مائة وثمانون كلمة. وعدد حروفي (٧٦٧ حرفا) سبعمائة وستة وسبعون حرفا.

أقع في الجزء الثامن والعشرين، وترتيبي في المصحف رقم (٦٣)، وترتيبي (١٠٢) حسب ترتيب نزول سور القرآن الكريم، ونزلت بعد سورة الحج وقبل سورة المجادلة.

نزلت على قلب رسول الله ليلا، ولما أصبح قرأها على أصحابه ليكشف حقيقة الأحداث التي مر بها المسلمون أيام نزولي.

محوري الأساسي

تدور آياتي حول محور واحد، وهو ذم النفاق وفضح أخلاق المنافقين وتنبيه وتحذير المؤمنين مما في يكنه لهم المنافقون في دواخل صدروهم، ومما يرجونه من وراء وممارساتهم الذين يظهرون بها التقوى ويسترون بها المكر والكيد للإسلام والمسلمين. 

والبعض يعتبرني (قارعة المنافقين)، بسبب ما حكاه عني أبو هريرة بإسناد حسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة يحرض بها المؤمنين، وفي الركعة الثانية يقرأ بسورة المنافقين ليقرع بي المنافقين. 

ارتباط بدايتي بنهايتي

يوجد ارتباط وثيق بين مطلع آياتي ببيان كذب المنافقين وفضح ممارساتهم وأعمالهم وسوء طويتهم، وبين نهايتي بتحذير المؤمن من أن يعمل بأخلاق النفاق أو أن يسلك سبيل المنافقين، وهذا يسميه علماء القلوب الترغيب والترهيب، أرهبك من النفاق وعقوبته، وأحببك في الإيمان وحسن مثوبته، فافطن لذلك وانتبه، ولا تكن من الغافلين.

ارتباطي العميق بسورة الجمعة
يأتي الارتباط العميق بيني وبين سورة الجمعة من أن سورة الجمعة كانت تذكر حال المؤمنين وأنا أفضح حال المنافقين. وقد أكد هذا أناس من أهل المدينة فيهم أبو جعفر، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون، فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم، وأما سورة المنافقين فيُؤيّس بها المنافقين ويوبّخهم بها.

وقال أبو حيان عن ارتباطي بها: لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلاً من المنافقين، واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك؛ لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة، إذ كان الوقت وقت مجاعة، جاء ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإيمان، وأتبع قبائح أفعالهم بقبائح أقوالهم.

كما إن سورة الجمعة قد بينت أن الموت حقيقة لا شك فيها بقول الله ""قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ" وأنا قد أكدت هذا المعنى بقول الله "وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ"

كشفت سورة الجمعة عن عدو أبدي للمسلمين وهم اليهود الذين يزعمون كذبا أنهم أولياء الله وأحباؤه وأصفياؤه، وأنا قد كشفت عن عدو لا يقل خطرا بل قد يكون أشد خطرا من اليهود وهم المنافقين الذين يزعمون كذبا أنهم مؤمنون صدقا وعدلا، وشهد الله ورسوله ووقائع التاريخ أنهم أعوان أعداء الإسلام في كل زمان ومكان.

نبهت سورة الجمعة إلى أهمية تعظيم ذكر الله عن كل ما سواه بقول الله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ" وأنا قد نبهت على ذلك بقول الله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ"

بينت أنا وسورة الجمعة أن أعداء الله يعملون ليل نهار عن شغل المسلمين عن ذكر الله وصرف قلوبهم عن طاعته، وإلهائهم عن القرآن بالتجارة والأموال واللعب واللهو وتيسير سبل الغواية، وأحفادهم اليوم يعملون بما كان عليه أجدادهم بشغل المسلمين بما لاحصر له من ألوان الترويح والفنون الماجنة ووسائل اللهو والمسارح والملهيات الإلكترونية. 

كشفت لك أنا وسورة الجمعة عن أن أهل النفاق يسعون ليل نهار لفض الجماهير عن أهل الدعوة وحملة مشاعل الخير والهداية، من خلال التضييق على مجالس وحرية الدعاة وحملة الهداية، وشغل قلوب الجماهير بالدنيا، وتجفيف منابع الخير وإغلاق معاهد العلم والهداية والقرآن، وفتح دور اللهو والمجون والصخب، وقطع الدعم عن كل مؤسسات العمل الخيري واتهامها كذبا بالعنف وتربية المتطرفين بين جدرانها.

رسالتي الأخيرة ورسالة سورة الجمعة تقول لك لا تنشغل عن الله بطلب الرزق، فالرزق من الله، وما عند الله لا ينال إلا بطاعة الله، ولا يستطيع مخلوق أن يهبك رزقا إذا قطعه الله عنك، ولا أن يمسك رزقا قد كتبه الله لك: فتقول سورة الجمعة "وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٌ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ" وأنا أقول لك "هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ"


ارتباطي بالسور السابقة لي

لما نهى الله سبحانه في الممتحنة عن اتخاذ عدوه وليّا، وذم في الصف المخالفة بين القول والفعل، وحذّر في آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال النبي، قبح الله في بداية آياتي حال من أقبل عليه بقلب يعمره النفاق، لأنه سيكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، أو كالنصارى الذي عرفوا الحق وضلوا عنه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وتنادى المنافقون "لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.."

آخر معجزات الصدقات في شفاء ابن صديقي