محمد إقبال .. شاعر الإسلام .. وفيلسوف الإنسانية ..حسين رضا



مولده ونشأته
ولد محمد إقبال محمد نور في الثالث من ذي القعدة 1294هـ، الموافق 9 نوفمبر (تشرين الثاني 1877م)  في  سيالكوت ـ إحدى مدن دولة باكستان، ترجع أصوله إلى أسرة براهمية تنتمي إلى المجتمع الهندي، في عهد السلطان زين العابدين بادشاه وقبل مولده بثلاثة قرون اعتنق أحد أجداده الإسلام، وهاجر إلى سيالكوت وعاش بها.
نشأ إقبال في بيت أبيه الشيخ محمد نور، وكان عليما بالعقيدة والسنة، وطرائق الحكمة والفلسفة والأدب، وقد عَهِد به إلى أستاذه "مير حسن" الرجل المهيب المبجل أحد أعلام المربين في بلده، كان أستاذا للغة العربية في كلية سيالكوت، وعالما متضلعا في الأدب الفارسي، طيبا حنونا، فتولى رعايته العلمية والسلوكية، فأدبه وعلمه العربية والفارسية، وقد منحته الحكومة لقب شمس العلماء بناء على طلب من إقبال بعدما كبُر وذاع صيته تكريما له على رعايته إقبال في صغره، وتُوفي والده رحمه الله في أغسطس 1930، وكانت أمه رحمة الله عليها مشهورة بالورع والتقوى وتوفيت عام 1914 قبل أبيه بست عشرة سنة.
رحلته العلمية والعملية
لقد كانت نشأة إقبال إسلامية مستنيرة فحفظ القرآن الكريم، والتحق بمدارس بلدته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالكليَّة الحكوميَّة في لاهور، فحصل على درجة الليسانس في اللغتين العربية والإنجليزية، ودرجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية، ثم عمل مدرسا بالكلية الشرقية، وكلية الحكومة، وفي عام 1903 صدر له أول كتاب بعنوان "معرفة الاقتصاد"، في العام 1905 التحق بجامعة كامبردج في لندن وحصل على الدرجة العلمية في الفلسفة وعلم الاقتصاد، ثم رحل إلى ألمانيا والتحق بجامعة ميونخ وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1908، ثم عاد إلى لندن وحصل على الدرجة العالية في القانون، وعمل في جامعتها مدرسا للغة العربية.
في عام (1919م) تقلد عمادة كلية الدراسات الشرقية بلاهور، وفي عام 1923م منحته حكومة بنجاب لقب سير، وانتخب عضوا برلمانيا عن إقليم البنجاب عام 1927، ثم رئيسًا للاجتماع السنوي لحزب الرابطة الإسلامية 1930م، ثم رئيسًا لفرع الرابطة الإسلامية في بنجاب 1935م، وفي عام (1937م) منحته جامعة "إله أباد" الدكتوراه الفخرية في الآداب، وحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة العثمانية بحيدر أباد، ومارس مهنة المحاماة زمنا.

ساهم إقبال في نشر الدعوة الإسلامية بمحاضراته المتميزة في الفكر والفلسفة الإسلامية حتى ذاع في الأفق صيته، وكتب كثيرا عن المشكلات الدينية والسياسية والاجتماعية في الهند وأوروبا وبلاد الإسلام من منظور إسلامي فلسفي قانوني، مما كان له بالغ الأثر في نفع الشعوب وانتشار رسائله ومؤلفاته.
دوره في خدمة الإسلام
كان الشاعر والفيلسوف يحمل في صدره قلبا يحب كل مسلم وعربي، وبقدر هذا الحب كان يحمل هما وحزنا على ضعف المسلمين وسوء حالهم، خاصة وأنه عايش فترة ضعف الخلافة العثمانية وإسقاطها، ورأي واقع المسلمين وقد صاروا صيدا وفريسة لكل متوحش يكره دينهم ويبغض عقيدتهم، وراح يجاهد في كل أرض بقلمه ولسانه فكان أول ما لُقِّب به شاعر الإسلام، ثم بذل من الجهد في الدعوة بإلقاء المحاضرات حتى كانوا يعدون له في اليوم عشر محاضرات في عشر جولات في ديار المسلمين، يوجه بها عاطفة الناس إلى الله، ويذكرهم بأمجادهم وتاريخهم، وقوتهم وضعف غيرهم روحيا وإيمانيا، وبأنهم خير من يعيشون على هذه الأرض متى تمسكوا بدينهم، وبين لهم الفارق بين حضارتهم وحضارة الأوروبيين والأمريكان الخاوية من عناصر السلامة النفسية والقوة الروحية، لقد كان إقبال واسع المعرفة، وافر الحظ من العلوم النقلية والعقلية، متعمقا في دهاليز الفلسفة بجناحيها الشرقي والغربي، دراس واع بفهم لأحداث التاريخ، وتغيرات الأمم، كل هذا جعل من إسهاماته سببا رئيسا في تنظيم العقل المسلم، وضبط بوصلته ناحية الحق بعدما تهافت الناس على الباطل تهافت الفَراش على النار.
كانت ملكته الشعرية الفريدة تهز النفوس، وتوقظ القلوب، وتبعث في أرواح الشعوب الأمل من جديد بعد موجة الإحباط التي ضربتها إثر ضعف الخلافة وتشتت المسلمين، وقد لاقت أعماله الفكرية والفلسفية وقبلها الأدبية الشعرية قبولا لا مثيل له وقتها، حتى في غير بلاد المسلمين في الغرب، وترجمت إلى لغات عدة على يد المتخصصين ومشاهير العلوم في زمانه، وكتب الكثير منهم في فكره وفلسفته وبديع شعره، لتميزه وتفرده العلمي والأدبي والفلسفي الذي راح ينافس به كل عليم ويتفوق عليه.
وفي ساحة السياسة تميز إقبال بالوعي والرؤية الثاقبة مما جعل الأثر في الساحة السياسية العالمية، وكان أول من دعا إلى تقسيم الهند، وإنشاء دولة للمسلمين يعيشون فيها، بعدما رأى استحالة توافق أوضاع المجتمع الهندي واستمرار وحدته، الأمر الذي لم يتحقق إلا بعد وفاته حيث قامت دولة باكستان.
اسهاماته الفكرية ودواوينه الشعرية
لقد كان الفكر والفن والأدب عند إقبال رسالة سامية حقق بها للإٍسلام والدعوة مكاسب عظيمة، وبلغت أعماله الفكرية ودواوينه الشعرية الفنية ثمانية عشر عملاً وديواناً هي: معرفة الاقتصاد بالأردية - تطور ما وراء الطبيعة في إيران بالإنكليزية - ديوان أسرار الذات بالفارسية - ديوان رموز نفي الذات بالفارسية - ديوان رسالة المشرق بالفارسية - ديوان صلصلة الجرس بالأردية - ديوان أناشيد فارسية بالفارسية - إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام بالإنكليزية - ديوان رسالة الخلود بالفارسية - ديوان المسافر بالفارسية - ديوان ماذا ينبغي أن نفعل يا أمم الشرق بالفارسية - ديوان جناح جبريل بالأردية - ديوان عصا موسى بالأردية، وقد ترجمت أعماله رمة الله عليه إليه لغات عدة استفاد منها ملايين المسلمين في شتى بقاع الأرض
ثناء المفكرين والعلماء عليه
لما كان إقبال رحمة الله عليه طرازا فكريا وأدبيا وفلسفيا فريدا استحق الثناء من كل من خالطه أو وصله علمه وشعره من العلماء والأدباء والمثقفين وتلك جملة منها.
"وجدتُ فيه -  أي إقبال-  من وضوح الفكرة وشدّة الاقتناع بها والتحمّس لها والشجاعة في نشرها، وفي نقد الفلسفات، ما لم أجده مع الأسف في كثيرٍ من رجال الدين؛ لعدم اكتناههم بحقيقتها واطّلاعهم على نواياها، وأهدافها، وأسسها، وتاريخها"              
الإمام أبو الحسن الندوي

"ينتمي السير محمد إقبال إلى ثلاثة أحياز روحية، وهذه الأحياز الروحية الثلاثة هي منابع آثاره العظيمة، وهي: حيّز القارة الهندية، وحيّز العالم الإسلامي، وحيّز الفكر الغربي"
الأديب الألماني هرمان هسه
"لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم"   
طاغور - شاعر الهند
"شرفت بلقاء إقبال وكان مستلقيًا على فراش المرض؛ كان لفكره العالي ونزعته الحرّة في قلبي أثرٌ بليغ، لقد فقدت الهند بفقد إقبال كوكبًا لألآً مضيئًا"
الزعيم الهندي جواهر لآل نهرو

"كان شاعرا منقطع النظير، طبَّق صيته الآفاق. وستبقى كلماته حيَّةً أبدا، وإن مساعيه لأمته وبلده لتضعه في صف أكبر كبراء الهند. وإن وفاته اليوم لخسارة كبيرة للهند عامة وللمسلمين خاصة"
محمد علي جناح

رحيله
في صباح يوم 24 أبريل 1938 شاع في الناس الخبر الصادم بوفاة إقبال، وكان الأسى عظيما بقدر حب الناس له، وتوقيرهم إياه، وانتفاعهم من علمه وفكره وأدبه، وسعيه الدؤوب في تعليم المسلمين وتوحيد صفهم، ويومها عُطلت الدواوين، وأغلقت المتاجر والأسواق، وتوافد الناس جموعا غفيرة من كل حدب وصوب لتشييع الرجل العظيم، ومن لم يدرك الجنازة صلى على القبر في جماعات متتالية، وقد دفن رحمه الله في لاهور بعدما اتخذ أصدقاؤه قبرًا له في فناء المسجد الجامع "شاهي مسجد"، ثم كتبوا على ضريحه: "إن محمد نادر شاه ملك الأفغان أمر بصنع ذلك الضريح اعترافًا منه ومن الأمة الأفغانية بفضل الشاعر الخالد".




إقبال متحدثا عن شخصيته وأعماله 
"إن جسدي زهرة في حبة كشمير، وقلبي من حرم الحجاز، وأنشودتي من شيراز"
إقبال يتحدث عن أصله
"عندما آتي إلى تراب مرقدك سوف أصيح من الذي يذكرني في الدعاء في منتصف الليل"
إقبال يتحدث عن أمه
"إنني هائم في شعري وراء الشعلة التي ملأت العالم أمس نورا وحرارة، وقد قضّيت حياتي في البحث عن تلك الأمجاد التي مضت، وأولئك الأبطال الذين رحلوا، وغابوا في غياهب الماضي.
إقبال يتحدث عن أمجاد المسلمين الضائعة
إن السياسي ينبغي أن يعترف بالحقائق الماثلة ويستفيد منها جهد الطاقة، وإن وجدنا وسائل للتعاون الحق، يَحل السلام والصفاء في هذه الأرض العتيقة
إقبال يتحدث عن رؤيته السياسية
"إن شعري يوقظ العقول، ويهزّ النفوس ويُربّي الآمال في الصدور. ولا عجب إذا كان شعري يملأ القلوب حماسة وإيمانا وكان وقعه في النفس كبيرا وعميقا، فقد سالت فيه دموعي ودمائي وفاضت فيه مُهجتي".
إقبال يتحدث عن جمال شعره

اقتباسات من كلامه
- التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم يكونها كما يشاء.

- لقد قدر على الإنسان أن يشارك في أعمق رغبات العالم الذي يحيط به، وأن يكيِّف مصير نفسه ومصير العالم كذلك؛ تارة بتهيئة نفسه لقوى الكون، وتارة أخرى ببذل مافي وسعه لتسخير هذه القوى لأغراضه ومراميه. وفي هذا المنهج من التغير التقدمي لا يكون الله في عون المرء إلا على شريطة أن يبدأ هو بتغيير مافي نفسه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

- إن المشكلة التي واجهها الإسلام كانت في الواقع ما بين الدين و الحضارة من صراع متبادل، و ما بينهما في الوقت نفسه من تجاذب متبادل.

- إن للعبودية ضحاياها وهي عبودية، أفلا يكون للحرية ضحاياها وهي الحرية.

- إن الإنسانية تحتاج اليوم إلى ثلاثة أمور: تأويل الكون تأويلاً روحيًا، وتحرير روح الفرد، ووضع مبادئ أساسية ذات أهمية عالمية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وتنادى المنافقون "لا تنفقوا على أهل غزة حتى ينفضوا.."

سورة المنافقون تتحدث عن نفسها.. الحلقة (١)

آخر معجزات الصدقات في شفاء ابن صديقي