قراءة في كتاب شبهات حول الإسلام – محمد قطب (1)
الدين هل
استنفد أغراضه؟
ظن أغلب علماء الغرب
بأن الدين قد انتهى أوانه وأفل نجمه، ولم يكن هذا الظن إلا عن بغض شديد للدين بعد
الصراع الدامي الذي كان بين الكنيسة الأوربية وعلماء الغرب، فقد تبين للناس أن
الكنيسة لم تكن تقول إلا خرافات، ولم تكن تقدم لهم إلا التخلف والرجعية باسم
السماء، ثم أصابت عدوى التقليد المشرق فخُيِّل إليهم أن الطريق الوحيد للتقدم هو
طريق أوروبا بنبذ الدين، والإيمان بالعلم، لكن كثيرا من علماء أوربا فطنوا بعد ذلك
إلى خطورة الإيمان بالعلم على حساب الدين حيث أنه متغير متقلب، فما أثبته بالأمس
ينفيه اليوم، وما يثبته اليوم ينفيه غدا، غير أن الدين يعمق في الناس الإيمان
بحياة أخرى خالدة يحققون فيها أمانيهم ما أحسنوا الإيمان، وهذا يخفف حدة الصراع
القائم في الحياة الدنيا، ويولد مشاعر الحب والإخاء بين الشعوب والناس.
1- الإسلام
والرق:-
اعتبر المؤلف هذه
الشبهة من أخبث ما قاله الشيوعيون لزلزلة عقائد الشباب المسلم، وقالوا لو كان
الإسلام صالحا لكل عصر فلماذا أباح الرق؟، أليس ذلك دليلا على أن الإسلام جاء لفترة
زمنية معينة وانتهى بانتهاءها؟
لذا لا بد من وقفة على
حقائق التاريخ لنرى النقلة الهائلة التي نقلها الإسلام لفكرة الرقيق من العهد
الروماني حيث كان الرقيق شيئا لا بشرا، نتاج الغزو لأجل المال والشهوة واستعباد
الناس لأجل الرومان، ولقد كانت مصر على سبيل المثال حقل قمح ومورد مال للإمبراطورية
الرومانية، ثم جاء الإسلام ليرد للناس إنسانيتهم على مرحلتين، مرحلة التحرير
الروحي، فيقول للكل "بعضكم من بعض" .. "أنتم بنو آدم، وآدم من
تراب" ثم مرحلة التحرير الواقعي، فحرر النبي من عِندَه، ثم من بعده أصحابه،
ثم راح أغنياء الصحابة كأبي بكر يشتري الأرقاء ليحررهم، ويعتقهم ليمنحهم الحرية، ويعتقون
من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، أو من يؤدي خدمة مماثلة للمسلمين، أو
عن طريق المكاتبة فيعتق مقابل مبلغ يتفق عليه مع سيده، وجعل القرآن العتق كفارة
لبعض الذنوب وقربة لله، ثم استكمل المؤلف الرد على الشبهة مستعينا بعشرات النصوص
من القرآن والسنة والمواقف التاريخية، وأفرد للإماء في هذه القضية ردا خاصا مطولا.
الإسلام
والإقطاع
تحت هذا العنوان كتب
المؤلف ردا على رسالة ماجستير نالها طالب في الجامعة عن أن الإسلام نظام إقطاعي،
وقد تناول المؤلف مفهوم الإقطاع ومقوماته كما جاء في كتابات المتخصصين، وطبقا لذلك
فإن الإقطاع نظام في ظله يلتزم المنتج المباشر نحو سيده أو مولاه بأداء مطالب
اقتصادية معينة، سواء كانت مطالب خدمية، أو مادية كمدفوعات نقدية أو عينية، فالمنتج
المباشر فيه ليس حرا بل تابعا، والإسلام لم يشرع يوما للإقطاع، ولم يقم بنيانه
الاقتصادي على تبعية إنسان لإنسان كما هو حال النظام الاقطاعي، رافضا الإقطاع من الوجهة
الروحية أو الاقتصادية، ليقيم العلاقات على الاحترام المتبادل، والمساواة الكاملة
في الكرامة الإنسانية.
وقد اتخذ المؤلف من واقع
الفلاح وصاحب الأرض مثالا شرح عليه النظام الإقطاعي بكل أبعاده وصوره وموقف
الإسلام من كل صورة منها.
الإسلام
والرأسمالية
لم تنشأ الرأسمالية في
العالم الإسلامي، لأنها كانت بعد اختراع الآلة، فقد انتقلت الرأسمالية إلى العالم
الإسلامي، وهو مغلوب على أمره غارق في الفقر والجهل والمرض، واقع في قبضة
الأوربيين، وعليه فقد ظن البعض أن الإسلام يبيح الرأسمالية، ويعترف بنتائجها، ولا
يعرف هؤلاء أن الرأسمالية لا تقوم إلا إذا أخذت بالربا والاحتكار والإسلام
يحرمهما، ولقد رد المؤلف على هذه الشبهة ردودا عميقة مطولة من القرآن والسنة
وتاريخ السلمين، ثم من كتابات متخصصي ورواد الفكر الرأسمالي، مفندا أقوالهم في
نشأة الرأسمالية وتاريخها، ومعلقا عليها بآراء الفقهاء وأعلام الفكر الإسلامي.
الإسلام
والملكية الفردية
هل الملكية نزعة فردية؟ يجيب المؤلف على السؤال
مستعينا بكلام علماء الاجتماع الذين اختلفوا فيما بينهم على ذلك، فمنهم من يرى
الملكية الفردية من فطرة الناس، ومنهم من يراها من أثر البيئة التي يعيش الناس
فيها، والإنسان حسب ما تنشئه بيئته، مبينا أن على كل فريق من الفريقين ملاحظات
أوردها في نقاط خمس، ثم رد على الشيوعيين في أن الملكية الفردية هي منشأ الظلم،
حيث أن الظلم نشأ بسبب الطبقية التي ظهرت في المجتمعات الغربية، وكان الإسلام
يحاربها حتى يقضي عليها، بعدها بين المؤلف موقف الإسلام من الملكية الفردية بشرح
نظرة الإسلام إلى الفرد على أنه فرد في ذاته، وفرد في مجتمع، وأنه الملكية الفردية في الإسلام لها
احترامها بضوابط لا تخل بمصلحة المجتمع، مع أمثلة واقعية وتاريخية عن تعامل الدول
والامبراطوريات مع الملكية الفردية، وأثر ذلك عليها.
الإسلام
ونظام الطبقات
"والله فضل بعضكم
على بعض في الرزق".."ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات" استنادا إلى
هاتين الآتين وغيرهما زعم دعاة الطبقية بأن الإسلام يبيحها ويدعوا إليها، ولكي
يتضح حقيقة الأمر لابد من التعرف على نظام الطبقات، واستعراض التاريخ الطبقي
ومعالمه، فأوروبا في العصور الوسطى كانت النموذج الطبقي الصارخ حيث كان المجتمع
يتمثل في طبقات النبلاء ورجال الدين والشعب، طبقات متميزة وأخرى من المجتمع همل لا
قيمة لها، تتوارث الذل والفقر والجهل أبا عن جد وابنا عن أب، حتى صار لكل طبقة
ملبسها الخاص، وكان الطفل الوليد يعرف يوم مولده من أي طبقة هو.
ويتلخص نظام الطبقات في أن الذي يملك المال يملك
السلطان، يملك وسائل التشريع والحكم، والإسلام لا يبيح ذلك ولم يدع إليه، فليس في
الإسلام مزايا تؤخذ بالتوريث لمجرد النسب.
ثم إن الإسلام حرم أن
تكون الثروة في يد فئة من الناس على حساب افتقار أخرى "كي لا يكون دولة بين
الأغنياء منكم" فقد حد الإسلام من ذلك بل عمل على تفتيت الثورة وتوزيعها بين
الأجيال، حتى في أحكام الميراث تجد الثروة موزعة على الجميع إلا بعض حالات
استثنائية قد يرث فيها فرد واحد، وتاريخ المسلمين يشهد بدوام انتقال الثروة بين
الناس، وأن الناس متقلبة أحوالهم، فالغني يوما قد يفتقر، والفقير قد يمتلك الثروة،
أما ما استند إليه البعض في الآيتين التي بدأ بها البحث، فإنهما لا يفسران إلا
الواقع في دنيا الناس على مر الزمان، فالناس متفاوتون في المراتب والأرزاق،
والأرزاق ذاتها تختلف من إنسان لآخر، فليس الجميع على مرتبة واحدة في العيش
والرزق.

تعليقات
إرسال تعليق