قراءة في كتاب العلمانية بين الغرب والإسلام للدكتور: محمد عمارة
قراءة في كتاب العلمانية بين
الغرب والإسلام
للدكتور: محمد عمارة
استهل المؤلف – كتابه
بمناقشة مفهوم العلمانية، والذي شاع في المشرق، وما تعنيه الكلمة في قاموس
العربية، مبينا أنه لا يمكن فهم العلمانية بعيدا عن إطلالة دراسية تحليلية شريطة
ألا تكون بمعزل عن ملابسات الحياة الأوربية في الوقت الذي نبتت فيه فكرة
العلمانية.
- لقد ظلت الكنيسة في
أوروبا وعبر قرون طويلة تمارس مهامها الدينية بعيدة عن نظام الحياة والحكم
والسياسة، مملكتها في السماء لا علاقة لها بسلطان الأرض، حتى طال عليها العمر
فتجاوزت حدود رسالتها الروحية فاغتصبت السلطة الروحية وفرضت قداسة الدين على
الدنيا، ففشلت ودخلت بالمجتمعات في حالة من الجمود والتخلف، وسلكت بها دروب الجوع
والجهل والظلام، وسادت ثقافة السيف بعد تولى الباباوات والأباطرة الحكم، أو تولاه
ملوك يدينون بالولاء الكامل لهم.
لما طال عهد الجهل
والظلام بالمجتمعات ثارت ثورتها "العلمانية" لترد الكنيسة إلى حدودها
الأولى، ورسالتها السماوية الروحية، والفصل بين الدين والدنيا، وقطع سلطان الأرض
عن سلطان السماء، وانقسمت الثقافة الأوربية حينها بين تيارين – تيار استطاع أن يصوغ
حالة توافقية بين الإيمان بوجود الله الخالق، وتيار - العلمانية – الذي يريد تحرير
العباد من دين الله جملة وتفصيلا، يرى أن مهمة الله في الكون قد انتهت بمجرد خلق
الناس، ولا سلطان له عليهم بعدما خلقهم وليتركهم يديرون شئونهم دونما أو وصاية منه
ولا تدخل، فكان الطريق مفتوحا أمام العلمانية لتطبيق القوانين الوضعية التي تنسلخ
تماما من كل حكم لله على عباده، وإحلال الإنسان في تدبير شئون الأرض محل الله
سبحانه.
وفود
العلمانية إلى بلادنا
تحت هذا العنوان كتب
عمارة عن حملة بونابرت عام 1821 والتي كانت استعمارا متكاملا للوطن العربي، مثلت
نوعية من الاحتلال غير التي كانت قبلها، استهدفت احتلال الأرض والعقل، واستبدال الفكر
وتغيير الهوية، ونهب الثورات واستعباد الإنسان، فقامت في كل بلد من بلاد الإسلام
سلطة تمثل الاستعمار الغربي، وكيف تغيرت أشكال تلك السلطة الاستعمارية من بلد لآخر،
ففي تونس والجزائر ومصر حل القانون الوضعي حاكما لبلادنا، واتخذت لتطبيقه قضاة
ترضى عنهم، ثم لما لم تجد معارضة قوية بدأت تصوغ القوانين التي تخالف شريعة
الإسلام، وأنشأت لها المحاكم واحتكمت إليها الشعوب، وقد كان كثير من المصلحين
يطلقون صيحات التحذير ضد هذا التسلل العلماني في مؤسساتنا لكن وللأسف لم تلق
صيحاتهم ما كانوا يرجون، حتى وقعت بلادنا تحت نيران الاحتلال الإنجليزي عام 1882فعمم
القانون الأجنبي في مؤسسات البلاد.
مع هذه الموجة
العلمانية العاتية ظهرت حركات إصلاح كل واحدة منها تسلم الراية لما بعدها، فمن
الطهطاوي لمحمد عبده لرشيد رضا وغيرهم من رواد الفكر الإسلامي.
الأصول
الإسلامية لرفض العلمانية
إن الإسلام من أول يوم
يرفض قوانين العلمانية وشعاراتها وبرامجها التي تفصل الدين عن الدنيا والأرض عن
السماء، وتجعل من العبد سيدا للكون، لا يخضع لحكم الله ولا يسير حياته وفق ما أمره
ربه، رفضه الإسلام العلمانية بهذا المفهوم بدرجة رفض الوثنية، التي اشتركت مع
العلمانية في جعل وظيفة الله لا تتعدى أنه الخالق، وليس له على عباده سلطان، وإنما
أمرهم إلى أنفسهم.
ولقد قدم الإسلام
التصور البديل لهذا الرفض، فالله سبحانه هو الخالق المدبر قد استأثر سبحانه بالخلق
والأمر، والإنسان في أرض الله خليفة يحتكم بأمره، ويسير وفق شرعه، لذا محال أن
يجمع مسلم صحيح الإسلام في جوفه العلمانية والإسلام، أو يحتكم لما يخالف شرع ربه
من قوانينها، إذ أن الله القانون الإسلامي تميز عن العلماني في أمرين.
أولهما: المصدر حيث أن
مصدر القانون العلماني هو إرادة الشعب، والقانون الإسلامي مصدره من دين الله ووحيه.
وثانيهما: المقاصد حيث
أن هدف القانون العلماني النظام والعدل في المجتمع، أما القانون الإسلامي فهدفه مع
ذلك احترام وحي الله والتقرب إليه.
المرجعية
الإسلامية للدولة
حسمها القرآن في نقاط
أربع
أولها: على ولاة الأمر
أداء الأمانات لأهلها والحكم بالعدل بين الناس
وثانيها: طاعة المؤمنين
للولاة إذا ما وفوا بأولا.
ثالثها: طاعة المحكومين
لأولي الأمر تالية لطاعة الجميع لله ولرسوله أي لما جاء في الكتاب والسنة.
رابعها: شرط تحقق
الإيمان وكماله أن تكون مرجعية الحاكم والمحكوم المتمثلة في التعاقد الدستوري هي
الكتاب والسنة، وإلا كان هذا الإيمان زعما وادعاء، وكانت المرجعية هنا للطاغوت.
تلك الشروط التي حددها
الإسلام طبقها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعد على النحو التالي بمثالين
"وما كان بين أهل
هذه الصحيفة من اشتجار يخشى فساده فمرده إلى الله وإلى محمد.." صحيفة المدينة
"أطيعوني ما أطعت
الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" من خطبة أبي بكر
الصديق
أنماط الدول
في التاريخ الإنساني
لقد عرف التاريخ
الإنساني أنماطا أربع للدول:-
أولها: الدولة
الاستبدادية التي تحكم بالهوى والشهوة والقوة.
ثانيها: دولة الكهانة الدينية
وتلك تحكم بالعصمة المقدسة والحق الإلهي، والحاكم فيها ينوب عن الله ولا قيمة
للأمة.
ثالثها: دولة السياسة
العقلانية التي يدبر حكامها مجتمعاتها بسياسة العقل والمصلحة المتحررة من المرجعية
الدينية وفيها ينوب الحكام عن الأمة ولا قيمة للدين والشرع والإله – العلمانية –
رابعها: الدولة
الإسلامية وهي نمط متميز فمرجعيتها إسلامية، ونظامها مدني، وتجتمع المرجعية
الدينية فيها مع سيادة الشريعة وسلطة الأمة.
المغتربون
العلمانيون
يناقش الكاتب هنا أمر
الذين انبهروا من أبناء الإسلام بالعلمانية الغربية، فهم من نظروا للدين بمنظار
النصرانية، فساووا بين الإسلام والنصرانية في السياسة، بل لقد نظروا للتاريخ
الإسلامي من منظور الغرب المشوه، بل لجهلهم بالقرآن جعلوه في مرتبة واحدة مع
الإنجيل، ومحمد كرسوله، فلا دخل للقرآن ولمحمد بالسياسية مثلما لم يكن للإنجيل
وعيسى دخل، هذا كله لأن عقولهم صنعت في معامل الغرب، فشوهت مناهجها رؤاهم، وزيفت
وعيهم، فرأووا القرآن إنجيلا، والخلافة كهانة مثلها مثل حكم الكنيسة المنحرفة
المستبدة، ، والشريعة قانونا رومانيا، لذا فالحل العلماني عندهم خير لأمة الإسلام
من الحل الإسلامي.
لقد عاهد هؤلاء أوربا
على أن يسلكوا في بلادنا مسلكها في الحكم والإدارة والقانون، ولم يدرك هؤلاء أن
الحفاظ على هويتهم والاحتكام إلى شريعتهم قبل أن تكون فريضة من الله يجب أداءها،
هي دليل الاستقلال الحضاري للأمة الإسلامية.

تعليقات
إرسال تعليق